الخميس، ٦ أغسطس، ٢٠٠٩

مزاج رائق

اللوحة للفنانة منال العنزي

ولع باللذة الآفلة
بزهر الأشواك قرب المدفن
بنعاس في مقعد الحافلة الخلفي
بمنبه عاطل في الذاكرة
بسعير في شفتها السفلى
ما يوقظني هذه اللحظة
لأكتب قصيدة

**********

لن أشير إلى حزني الرهيف
ولا إلى بنت الجيران
التي جعلت من سطح بيتي حديقة
ولا إلى طعم البخور في المساء
لن أشير
إلى رائحة الكسوة صباح العيد
ولا إلى
صمت المعبد المهجور
وقصة "عذراء للبيع"
التي أينعت شهوتي
أنهض الآن
لأكتب قصيدة
تتولى هي وحدها
نبش الذاكرة
كمتشرد يبحث في ركام القمامة
عن شيء لا يعرفه

**********

بكل امتنان
للتبغ الذي يشاركني هواء غرفتي
للموسيقى الصاخبة
في عرس الجيران
للباب الذي لم يُطرق حتى الآن
ولجوالي الصامت كفأر ميت
للشبك البلاستيكي المضاد للبعوض
لفنجان القهوة الباردة
وللفرح الذي يداهمني الآن كذكرى قديمة
بكل امتنان للقلم الجاف
والضوء المتسرب من النافذة
أدخل قصيدتي
الخجولة
كبنت ترى لأول مرة فحلها
ليلة الدخلة
بكل امتنان لهذا الخواء
أكتب الآن أشياءاً
لا تعني أحد

**********

يتهمني البعض بالكفر
وبعض أكثر حناناً
ينعتني زير نساء
بعض لا أعرفه
يكيل لي المديح الفاتن
وبعض تقيٌّ
يتهمني بالبداوة
سأكتفي الآن
بلؤم الغاويات
يتهمنني بالذئب
وأقترح قصيدتي
التي تمشي على رؤوس قدميها
صوب سرير العازبة

**********

قصيدتي الفاقعة الظلال
سألونها كما يشاء
المؤمنون بضلال الشعر
من حاكموا مجازي
واتهموا استعارتي بالكفر
وحنيني بالبداوة
واعتناقي الأنوثة
بالمجون

**********

دون أن تخدش حياء الشارع
تمشي مطأطئة الرأس
ودون أن تلقي تحية الإسلام على أحد
أو تسرق النظر إلى كاحل امرأة
تصعد الدرج المرمري
دون أن تتذكر رائحة الحبق
في ثياب أبي
أو تلعب بملامحها أمام المرآة
دون أن تبتز كائنات الذاكرة
أو تلتفت إلى الضحكة خلفها
ستمضي قصيدتي صوب الخلاء
ككلب ينبح اللاشيء
في ليل شتائي مطبق العتمة

**********

أصبغ أظافرها بلون ليلكي
أمر على شفاهها بقلم أحمر
وبقلم أسود نحيل
أرسم حاجبيها
أنتف شعر ساقيها
أطعم الكحل أهدابها
أرش أبطيها بمزيل العرق
وأطلق الريح الساخنة في شعرها المجعد
أرخي ظلا شفقياً على أجفانها
وأطلقها قصيدتي بفستان وردي
تؤرجح ردفيها
على رصيف مزدحم
كبنت هوى
تتسوق في يوم أجازتها

**********

كأن سياقاً غابرا
تسرب إلى قصيدتي
أفتح الغوغل واكتب : (سرير العازبة)
لا شيء
سوى (سرير الغريبة) لدرويش
حسناً
رائحة أليفة
لا تكفي لتهمة أخرى
فالغريبة قد لا تكون عازبة
مع أن العازبة دائما غريبة
أمضي بقصيدتي
دون أن أحتاج إلى هامش
شاكرا الغوغل
على كل شيء

**********

مع أني مرتبك حد التلعثم
وكثير التردد على سوق الخضار
مع أني لا أملك أحيانا قوت يومي
وغير مطلع جاد على الفلسفة
مع أني خائف من بكرى
وغير قادر على السفر بعائلتي
في رحلة استجمام
مع أني متابع جيد لنشرات الطقس
وأدافع عن القصيدة النثرية
في ندوات حول التنمية
مع أني سأملك بيتي بعد أربعين عاما
إلا أني ثري بقصائد
لا تسمن ولا تغني من جوع
أحس أني ملك مخبول
حين أغزو اللغة في عقر دارها
وأصغي بأذن ثالثة لصفيرها
في قعر الروح

**********

مثلما في الذرة البكماء
يقرر الإلكترون
أن يطير من مدار إلى مدار
مثلما
يتجاسر النمل عل خف ناقة
مثلما يحدق الصوفي
في سديم الرغبة
مثلما أخفي كآبتي بورق السلوفان
تتسكع القصيدة
في وهمها المكتنز
تتكاثر
- كالسلاحف - مجهولةَ النسب
تُقطّر البلسم في عينيها
كي تهش الشبهة عن بهجتها
وتزغرد بملء حنجرتها
في مشرحة المعنى .

**********

لأنها قانصة الكوابيس البارعة
ورائقة المزاج
لأنها وثيرة كالماء
ومهندسة للخيال الحصيف
لأنها مشغولة عني بنئيج الريح
في برد النساء
ولأنها
القصيدة كلها
يحق لقصيدتي
أن تسجد على قبة ركبتها البيضاء
وتبكي
كطفلة
ذبلت في قدميها الحناء

**********

خطر على بالي
وأنا أبحث عن مقهى شعبي
في مراكش أنَّ :
النورَ وطن الظل
الريبةَ وطن السؤال
المعنى وطن الالتباس
السعادةَ وطن الخوف
العتمةَ وطن اللذة
ولا وطن
للقصيدة

**********

وأن :
البهجةَ زمن العطر
الرجفةَ زمن القبلة
اللوحةَ زمن اللون
ولا زمن
للشهوة
**********

اسمعني جيدا
ما أقوله ليس بالضرورة
هو ما تسمعه
لا تجب عن سؤالي
قبل أن أغادره .
دون ضغينة
أعطي بظهرك للمعنى
وعانق عفاريت الكلام
ودع سوء الفهم
مساقة بيننا
لنلتقي ثانية

*********

مضحك هذا التاريخ
الواثق من أوثانه
يتبختر في المكتبات
وفي أشداق المعلمين
مضحك
مذ كانت أمجاده المكتوبة
على السبورة السوداء
تحيلها اسفنجة
إلى غبار

**********

معلم الأحياء القدير
من كان يُشرّح الفراشة
بأصابع مرتعشة
لم يَشْرح ، ولا مرة ،
سر كرنفالها اللوني
ولا
ذاكرة الرحيق
التي تتقوض بين يديه

**********

نسيت أن أقول
في المقهى الشعبي
في مراكش
اكتشفت أيضاً
أن لا وطن
لي

**********

تأخرت يا وطني المبجل
انتظرك منذ قرون
على ناصية المقهى
مر متسول يشبهك .
مر حصان يجر عربة سواح
يشبهك .
وعكاز يقود أعمى يشبهك .
مرت بنت هوى
بجورب شفقي تشبهك
وسحابة دخان مرت
تشبهك .
انتظرك يا وطني منذ زمن
حتى صارت الأشباح
تشبهك .


سالم العوكلي
28 / 7 / 2009










الثلاثاء، ٣٠ يونيو، ٢٠٠٩

جدار متهالك


إضافة صورة
اللوحة للفنان باسم سليمان



أنا لا أتمرد
أخرج قليلاً
عن الطريق
كي أقضي حاجتي وأعود

السُلَّمُ المسندُ على جدار الصفيح
يذكرني بفخذ القروية
تطعم دجاجَها الملون

المرقد الذي لم آوِِِ إليه
منذ سنين
متعبٌ بشخير العابرين

أنا لا أحب المراقد العالية
لكن السُلَّمَ المنصوبَ
على جدار متهالك
يجعلني أرى
المشهدَ برمته .

الإثنين، ٢٢ يونيو، ٢٠٠٩

أيام ...


بيت شعر طالما ردده أبي ، وأذكر أني سمعته للمرة الأولى على الطريق العام بين قريتي القيقب ولالي ، حيث كان في تلك الفترة أحد العمال مسؤولاً عن كيلومتر من هذه الطريق ، يقوم بتنظيفه وصيانته يومياً :
اللي ما مشى ما عرف لرض ،
لا وردك عالمناهل .
واللي ما قرا ما عرف فرض ،
حتى ان تاب مازال جاهل .
كان عبر هذه الأبيات يحثني دائماً على السفر ، معتبراً إياه إحدى وسائل المعرفة ، ولا أعرف كيف تأتَى لهذا الشيخ الأمي مثل هذه الدراية بأهمية الترحال ، وهو المستقر طيلة عمره الذي ناهز المائة عام في منطقة محدودة من الجبل الأخضر ، لم يغادرها إلا سنوات مجبراً إلى معتقل العقيلة - شاباً في العشرين من عمره عاش سنواته المعتمة، يتيم الأب والأم - أو في فترة أدائه لمناسك الحج في أواخر الستينات ، تلك الفترة التي أراه للمرة الأولى يحمل حقيبة ، ويقف على جانب الطريق العام في انتظار سيارة تقله إلى مطار بنينة ، كنت ألهو بجانبه حين ودعني وركب سيارة أحد فاعلي الخير، وظللت أراقب رايته البيضاء المرفرفة فوق عامود بيت الشعر والتي كنا نخاف التفافها على السارية الصغيرة لأن عدم تحركها بانسياب مع الريح يعني أنه يعاني من مأزق في غربته ، حتى فاجأنا بعودته ونحن داخل البيت ودون أية مقدمات ، عاد بلقب الحاج ، وبصف من الأسنان الذهبية ، وبمزيد من النحافة والسمرة ، أتذكر ذلك كلما رأيت كرنفالات الحجاج الآن ، وحفلات التوديع والاستقبال الصاخبة ، وتأجير صالات المناسبات ، ومواكب السيارات التي ترفرف على مقدماتها الرايات البيضاء .
كان يبهرني لمعان أسنانه الذهبية وهو يتحدث للرفاق عن مغامرته في الأراضي المقدسة ، وعن رهبة تلك الأمكنة المشحونة بتاريخ الروح إلى أقصاها ، ومع السنين وبعد أن تساقطت أسنان أبي الذهبية الواحدة تلو الأخرى صار الحجاج العائدون من مكة يتحدثون بانبهار عن أبهة مطار جدة وعن المصاعد والأرصفة والمحلات الراقية ، وعن أحدث وسائل التقنية التي حل إبهارها ورهبتها بدل إبهار ورهبة الأماكن المقدسة ، التي لفها سحر من منتجات الحضارة الراهنة . كانت تلك تجربه سفره الاختيارية الوحيدة هو الشغوف بقيمة السفر الذي ما فتأ يحثني عنه ، وعند عودتي من سفري الأول إلى شرق آسيا ـ دون أن أترك راية بيضاء ترفرف خلفي ـ طلب مني أن أحدثه باستفاضة عن هذه التجربة ، فسردت له ما يصلح للسرد العائلي وهو يتفحص الصور التي أحضرتها معي ، إلى أن رماها فجأة بعيداً حين لاحت له صورتي وثعبان كبير يتدلى على كتفي وهو يقول : هذه هي اللي امتعبتك لآخر الدنيا . ولا أدري ربما حب أن يراني محتضناً كائناً آخر أكثر رقة وتعبيراً ، لكنني تذكرت أحد مواسم الحصاد حين أحضرت له ثعباناً حقيقياً وأنا فرح باصطياده ، فركض بعيداً وهو يقذفني بالحجارة ، واكتشفت للمرة الأولى إن أبي الذي كان يشكل لي رمزاً للشجاعة يخاف الثعابين إلى درجة الفوبيا ، غير أن أبي الذي أعتبره قدوتي في التسامح رأيته في مرة أخرى مشفقاً على ثعبان علق بغراء الفئران في مخزن الحبوب ،كان يحاول تخليصه بعكازه في لحظة ارتباك تخلط بين الخوف والرحمة ، لا أدري كيف استرسلت في هذا الحديث ، لكن ما يهمني هو ذلك المرسل التي تحمله أبيات الشعر عن أهمية السفر والقراءة للمعرفة ، وأيضاً ذلك الطريق العام النظيف والذي كان يقوم حوالي ألفا عامل بتنظيفه يومياً من رأس اجدير إلى مساعد والذي أصبح الآن دون تخطيط أو إشارات أو مصارف لمياه الأمطار تتعفن فوقه الحيوانات النافقة، كمؤشر لصعوبة التواصل التي نكابدها الآن على جميع الأصعدة.

السبت، ٢٠ يونيو، ٢٠٠٩

السكوت المتبادل


أذكر جيداً ذلك الشغف الذي عشته في ملاحقة تلك الكائنات الشفافة في أماسي الربيع الزاخرة بالروائح والألوان، كنت مولعاً إلى حد مرضي بمطاردة الفراشات مستجيباً لإغراء اللون وتنوعه وتلك الرفرفات العذبة التي تنتقل من زهرة إلى زهرة ، وكنت اعتقد في قرارة نفسي أن لاشيء يجسد لي غموض الملائكة سوى هذه الكائنات ، التي ستفسر لي فيما بعد جوهر الشعر والفن ، إن أجنحتها تذوب بين يديك عندما تحاول الإمساك بها ، وهو ما يعتري القصيدة نفسها ، حين نحاول تفسيرها أو القبض عليها ، وعندما شاهدت أثناء الدراسة ولأول مرة معلم الأحياء وهو يقوم بتشريح فراشة ، تقوض الجمال في داخلي ، وولجت دون أن أدري جدلية معقدة بين مفهومي العلم والجمال ، وتكرس لدي رأي مهيمن بأن العلم مناقض للجمال أو عدو له ، ونتيجة لولعي المبكر بالأدب والشعر ، ووجود نفسي مضطراً لأسباب بيئية لدراسة المجال العلمي كنت أحاول أن أوفق من جديد بين شغفي وتخصصي، فكنت أتحسس مواقع الجمال في الدراسة العلمية ، في المعادلات الرياضية وجمال البرهنة عليها ، في علم الاحتمالات ، في نظريات الكم والنسبية ، وفي المعادلات الكيميائية ذات الاتساق الأخاذ ، وفي الوقت نفسه أصبحت أطالع ما يعرف بالمناهج العلمية الصارمة لنقد الأدب ، بل والذهاب إلى ان النص الأدبي لابد وان يمر على ورشة تنقله فضلاً عن الموهبة إلى ما يمكن أن يسمى بالصناعة ، ومنذ حادثة التشريح المريعة ، وأنا مسكون بحالة من التوجس من هذا السكوت المتبادل ( يسكت عالم الحشرات عن جمال الفراشة سكوت الشاعر عن خمائرها الهاضمة) .. كان هذا التداخل الذي بدأته مضطراً وكعزاء أخير لعدم قدرتي على التخصص في مجال شغفي ، ولهذا الصمت المتبادل بين حقلين اعتقدت أنهما على طرفي نقيض ، كان له دور في بعث أسئلة ما انفكت تلاحقني، خصوصاً أن وتيرة العصر المتسارعة لا تكاد تجيب عن سؤال حتى تحقن الإجابة نفسها بأسئلة أكثر تعقيداً . إن ما كان مجازاً متطرفاً أو استعارة حادة في الشعر يتحول في الخيال العلمي إلى إمكانية ، ثم لا يلبث أن يغدو واقعة ، كان الشاعر يغالي حين يقول لحبيبته أني أسمع صوتك وأنت في نهاية الأرض ، أو يزورني طيفك في ليالي الأرق وبيني وبينك بحار ومحيطات ، وهذا ما تحقق أخيراً بفعل العلم وتقنية الاتصالات ، وغدا المجاز ضرباً من الواقعية الفجة ، ومثلما تفتحت نوافذ كبيرة من الجمال في النظريات العلمية ، غدا الجمال نفسه موضوعياً ومحل دراسات علمية ، بل غدا الجمال صناعة من صناعات العصر الخاضعة لمتطلبات السوق والتداول ، وما نساء التلفزيون اللائي يخلبن الألباب إلا نتاج للمختبرات التي ما انفكت توظف الكيمياء في صناعة النساء اللائي تخيلهن الرومانسيون وهم في ذروة المغالاة، ثمة ما يبهج في ما يحدث ، وأيضاً ما يرعب، حين يتقوض هذا الجمال الأنثوي المحبوك بعيداً عن أصابع الكيمياء ، أو حين يخلع العلم معطفه الجمالي ويجتاح عالمنا الجميل بمتطلبات الضرورة والمصلحة . المعادلة صعبة لكنها ممكنة التحقيق حين نؤمن بأن المخ البشري مزود بفصوص للجمال تحتاج فقط إلى التنشيط عبر الموسيقى والرسم ومراقبة الفراشات في أماسي الربيع الدافئة .. وحين يصف عالم الحشرات في بحثه لون أجنحة الفراشة ، ويعبر الشاعر إلى باطنها ليستشف الممكنات العميقة للحياة .

الجمعة، ١٢ يونيو، ٢٠٠٩

بقع على الوسادة










اللوحة للفنان زهرة المتروك


كسؤال منسي
النار المتروكة في الغابة
تنطفئ على مهل
**
تَلَعْثُمُ الحبر
في حضرة البياض
أخطاؤنا الإملائية

**
الكتب ..
التي تبقى على الطاولة
تشبه الأصدقاء
المتاخمين للروح
**
التبغ المتراكم في المطفأة
بقايا حريق قلب
لا يجيد الالتفات
**
في الليل ..
أنسى قسوة النهار
مثلما أنسى في الصباح
تفاصيل الكابوس
**
كخصر يلتهم الموسيقى
تهتز الستارة
في نسيم بارد
**
كالضباب
في الطرق الريفية
كالأغنية في فم الطفل،
كالفراشة في زحام المحطة
كقبلة الوداع في المطار،
كالاعتذار ..
كثيرا ما يتعثر الجمال
***
لا شيء يشبه الله
كطفل يصلي في الخلاء
أو رعشة الأيادي لحظة التصالح
لا شيء كالله
سوى دمعة تلمع في العين لحظة الوداع
**
كساحر حقيقي
وبرشاقة الظلال
يُقطِّع الطباخ المحترف
أصناف الخضار
وهو يحدث المشاهدين
عن مهنة صيد النكهات
من حقول العالم
**
كإله متقاعد
يقيس أبعاد الجسد
ويفض الخيّاطُ
بآلته القديمة
مضجعَ الألوان
الغافيةِ في القماش
**
الدلاء
الهابطة
الصاعدة
لا تجلب الماء فقط
لكنها تعلمنا
كيف نحدق في السماء
تحت أقدامنا
**
خفة يد السارق
ثقيلة على أرواحنا
كثافة يد الجلاد
خفيفة على أوراقنا
**
اللصوص الرشيقون
ليسوا مجرد كسالى
لكنهم يراكمون فناً
خارج القانون
**
بائعة الهوى الليبية
لا تقف شبه عارية على الرصيف
لا تمضع العلكة في زاوية البار المعتمة
.. ..
بغطاء كامل على الجسد
وبعينين جاسرتين
تثقبان الخمار الأسود
تعلن عن وطن اللذة في الظلام
** **
في أفريقيا السوداء
حين فتك صيادو العاج
بآلاف الأفيال
وُلِد جيل من الإناث
دون أنياب
**
يتحور الجسد
كي يقاوم الزوال
تنبطح الروح
كي تراوغ الرصاص
**
بصور الضفادع
سرد رسام ياباني
تاريخ الثورة الفرنسية
...
هل كان ساخراً
أم مفرطاً في تفاؤله ؟
...
أم كان يرسم
طريق المقصلة
بماء الزغاريد
**
تنزهوا قرب الجدران القديمة
اجمعوا من المال ما يكفي لغبطتكم
عاملوا النساء كآلهات
أيقظوا أصابع الحدس في كل عتمة
....
وصيتي لأبنائي
قبل أن يولدوا
**

معتكف للشاعر
حنين الطفل إلى مستقبله
معتكف للشاعر
حنين الكهل إلى ألعابه
معتكف للشاعر
الذاكرة التي تمحو
معتكف للشاعر
النسيان الذي يصحو
**
هناك
قرب المعبد المهجور
أتدرب يومياً
على عبادة نفسي
**
يرسم الطفل
على القماش أرجوحة فاتنة
تذوب اللوحة
حين يغسل يديه
**
يقلمون الشجر العتيق
في الميدان العام
ينزعون على السطوح
ريش الحمام
فتعتم الأرض ،
وتعتم السماء .
**
الرسام العراقي
الذي قضى في قصف على البصرة
ترك على جداري
لوحة مائية :
لوجه دون ملامح
يتلاشى في مدى صحراوي مكفهر
مطرزٍ بمقطع شعري للسياب :
" أما حملت إليك الريح
عبر سكينة الليل
بكاء حفيدتيك
من الطوى
يعلو من السهل "
** **
حين تتلاشى المسافة
بين اللسان والأذن
نغنم لوحة
لا تثير سوى ..
الغرائز
**
تتفتق الفكرة
تنمو الأسئلة
يتناسل الشك
تزدهر الحضارات
في تلك المسافة
بين اللسان والأذن
**
حين يُقطع النور فجأة
دع حدسك يضيء المكان
**
حين يتكرر المشهد الغامض
تلمس سر التجربة
في ذاكرة الروح العميقة
**
حين يهدد العطن
أوهامك الملهمة
جرب مع الضحك
قليلا من العناد
**
المتع المسروقة
من غفلة الآخرين
ملهمة ...
كبقايا السكر
حول فم طفل
**
قرب دكان الأكفان
صيدلية ...
تبيع مسكنات الألم
ومقويات الخصوبة
....
قرب كآبتي
مذياع
يفتر عن موسيقى ساحرة
***
أشار صديقي
إلى مبنى الأمن المغلق على أسراره
وقال بمرح غابر:
هنا كان ملعب للتنس
وبار صغير
**
أشار إلى الوادي
الذي يقسم المدينة :
هنا كان جسر حجري قديم
ينقل عربات العرائس
من ضفة إلى ضفة
**
أشار إلى رجل في الشارع
يحدث نفسه :
هنا كان أب لطفلين
عاد من الحرب الخاسرة
بجرح في الروح
**
أشار إلى صدره :
هنا كان ثمة ما يتأهب
كشجر اللوز
للإزهار
**
أشار إلى
هيكل دراجة صغيرة :
هنا كان حلم ..
لم ير أباه
ولا الجسر القديم
ولا ملعب التنس
ولا زهرة القلب
أبداً ....
**
كان يكفيه خمس دقائق
ليولد على يد القابلة
وخمسة أيام
على درج السجل المدني
ليحصل على شهادة ميلاده.
**

علي صدقي عبد القادر
شاعر ليبي
ولا حتى مصادفة
لم يلتق باليأس
في حياته
**
الجيلاني طريبشان
شاعر ليبي
ولا بمحض الصدفة
لم يلتق بالأمل
في حياته
**** *
مازلتُ
أفتش عن غزالة تركض
في وطن يمتد
كسيرة نبي
بين أقصى اليأس
وأقصى الأمل
******


الخميس، ٤ يونيو، ٢٠٠٩

من أول السطر

(اللوحة للفنانة اللبنانية دلال حسن)





تتسع الحياة لكل شئ
للآثام ..
وللأعمال التي نعتقد أنها صالحة
كثيراً ما اندم على ما لا أفعله
انتشي برياء امرأة تدعي حبي
ـ زهور اللدائن لا تخلو من البهجة ـ
أو امرأة تلتقيني ..
لتثأر من خيانة حبيبها
الخيانة نزعة إنسانية
الكلاب لا تفعل ذلك ،
وأيضاً الأبواب
لا أكره أحداً
ولا أحب إلا من أحب
ليست الأمور شائكة لهذا الحد
والفئران لا تخلو من خفة ظل .
الروح يمكنها أن تتألق
في الصلاة
أو البار
أو عند المضاجعة
لا شئ يدعونا لأن نفكر ملياً ..
في أمور تقترحها الغر ائز

الزهد وجه آخر للترف ..
لا بأس من شرب الماء في آنية من الذهب
أو براحة الكف من جدول رقراق
أوه .. مفردة رقراق مبتذلة
لكن من حقها أن تبقى
نقر المطر على الصفيح ، أحبه
وأنا أتدثر امرأة دافئة
موسيقى مودزار عندما أكون وحيداً
نباح الكلاب حين أكون في انتظار حبيبتي
صوت يفون الماء بعد قضاء الحاجة
الضحك أيضاً عندما أُهزم
أحتاج أحياناً لمن يشتمني
ولا أنكر لذة إطراء لا أستحقه
أو اصطدام مقصود بامرأة على الرصيف
تتسع الحياة لأي شئ
الزهور ، القمامة ، الأولياء ، العاهرات
الأبطال ، الذباب ، الأطباء ……
ليس ثمة إلى آخره
وليس ثمة امرأة قبيحة
ولا أنثى لا يمكنها أن تهز السرير
لا شئ يدعونا للتورط في لعبة القيم
أو بيانات الخلاق المبوبة
كل ذلك من اختراع اللغة
أما الحياة فهي حياة
مساحة للخطاء والنزوات ،
للدناءة والنبل والسخرية
حين أؤمن بلحظات الضعف
وبجمال النفس الأمّارة
يمكنني أن أتجاور ،
و أن أحترم ما يزعجني في الآخرين
يمكنني أيضاً ..
أن أصافح رجلاً سرق مني صديقتي ،
أو أتأمل بعوضةً على ساعدي ،
وأتركها تطير
لا شئ يستحق الندم
فكل ما نفعله يُضاف إلينا
وكل ما نراه حولنا هويتنا
العري لحظة سؤال
والمكياج كذب أنيق
الحجاب عتمة تضيء الجسد
والموت ..
نقطة ومن اول السطر
تتسع الحياة لكل شئ
للآثام ..
وللأعمال التي ..
…………

الأربعاء، ٣ يونيو، ٢٠٠٩

الشعر هذا ..! نسّاج العتمة المعتوه

(اللوحة للفنان محمد زعطوط)
مصادفة وجدت نفسي يوماً ما ضمن طقس تمثل في جماعة من الفلاحين يؤدون صلاة الاستسقاء ، أطلقوا ادعيتهم إلى السماء القاحلة ومضوا محتفظين بالتراب على جباههم ، بعد ساعات قليلة، غيمت السماء وسقطت الأمطار بغزارة، فامتلأت وجوههم بالوحل والأمل ، كنت قبل ذلك بيوم شاهدت في نشرة الأخبار الجوية توقع سقوط أمطار غزيرة في المكان نفسه، وكان ظل من المفارقة المرحة يستيقظ في ذهني وأنا احتفل مع الصبية بسقوط المطر، وفي اللحظة تلك أحسست أنني أقبض على الكائن الشعري، وان روحي تتشرب برحيق جديد يشبه قوس قزح ، كان الفلاحون ـ والماء يتلون بالتراب على جباههم ـ يحسون أنهم تواصلوا مع السماء وجلبوا المطر بيأسهم، كانوا يكتشفون الإرادة في الضعف الإنساني وهم يدرجون أسطورتهم في ملعب الطبيعة المتعالية، وكنت أدرك في قرارة نفسي أن ما حدث كان متوقعاً قبل الصلاة ، وبين مرح الإنسان بأوهامه الكبيرة وغبطة التكهن الأرضي، الذي أحاله الشغف العقلي إلى إمكانية للتنبؤ، كان ذاك الكائن المضطرب يمد أطرافه في داخلي ، ويجعلني دائم الإصغاء لكل ما يؤكد جدارة الإنسان بالحياة ، ومستمتعاً بالمكوث عند كل ما من شأنه أن يجعلنا أكثر إيماناً بقوة الجمال الكامنة في كل الكائنات ..المنحى الذي يعزز مفهومنا عن الإلهي بوصفه ابتكاراً إنسانياً مستمرا، وعن الفن باعتباره لغز النزهة الإنسانية بين العارض والخالد، فلكل منا لغزه المراوغ ومحنته التي تليق به.. من هنا يبرر الشعر عزلته الأزلية ـ رغم ولع المحيط به ـ وغربته التي بها يمرر أسئلة الوجود المجازفة ، إن عراكه الأوحد مع سحر الألفة هو ما يحقق كينونته التي تجيد اختبار كل شيء ووضعه في منطقة التساؤل الطفولي الذي لا ينضب، وبالتالي ظل الشعر أكثر الحقول أخلاقية على مدى التــــــــاريخ، عبر انحيازه الجمالي إلى جوهر الإنسان المفارق وهوسه بالحرية ، يقول ليوباردي: "إذا ما عن لنا ان نكرم كتباً بعينها لقيمتها الأخلاقية فإنني اعتقد أن كتب الشعر هي الأجدى بالتكريم على الإطلاق " لذلك سيبدو لنا سؤال الشعر إشكالياً ومنغصاً، إذا ما ربطناه بالجدوى، أو المشاريع، أو فكرة المنجز .. إنه كائن حفار بعمىً ثاقب البصيرة، ينظر بازدراء لكل هذه الترسيمات ، ليس من شأنه اكتناه الأجوبة ، ولا إبداء الآراء، ولا صنع التاريخ ، ولا تفقيس الأفكار ،ولا الشهادة على العصر.. هو الكائن المسرف في لا مبالاته، وهو يفض بمثابرة قشور الوجود، دون أن تكون له فكرة عن ما وراء أية قشرة، ولا هدف له سوى أن ينقل كل ما سبق إلى ملعبه، وينفخ فيه من روحه، ليزيده غموضاً وقابلية للتوغل فيه من جديد، ليس الشعر في حاجة وظيفية لتبرير وجوده الأزلي ، إنه كينونة في حد ذاته، له سيرته الجينية الخاصة التي بها نشأ وبها يتطور ، يريد أحياناً أن يقول مباشرة ، لكن تأتأة السؤال الصعب تلاحقه ، فلا يملك إلا الخرس في وسط الزحام الذي يتوخى الفهم والطرب .. ويستبدل كينونته بالظل كلما حاولنا القبض عليه، ووسط كل هذه الصلابة والعته الذي يكابر به ، سيجعل ثيمات اللحظة تنزف من سديمه اللامتناهي ، ليس الشعر بعيداً عن الألم أو الوطن أو الأم أو العشيقة الهاربة، أو الندم أو الحق أو عبادة الذات أو هجائها ، ليس بعيداً حقاً عن التغزل في قهوة الصباح ، أو بحة امرأة لحظة نهوضها من النوم ، ليس بعيداً ، لكنه قريب كقرب الجفن من العين التي أبداً لن تراه ، يمر بلعابه على كل هذه التفاصيل فتبدو راهنة وأبدية، جلية وغامضة.. لأنه قناص الدهشة باستمرار وصائد اللحظات التي لا تتكرر ، والأهم من ذلك باعث الكائنات الخرساء في صمتها ، وحاقن الأشياء المحايدة بشهوة أن تكون وأن تهذي. إنه جليل كالتراب المتوسل على الجباه الظامئة، وواثق من نبوءته كفتاة جميلة توزع الأمطار على العالم في نشرة الطقس، وخلف كل هذه الطاقة العظيمة يظل الشعر كائن الزوايا المعتمة ونبات الظل الذي لا ينمو في الضوء الشديد ، قدره العزلة التي من خلالها يتسرب إلى النفوس التائقة له، في كل زمان ومكان.. موعده مع المتوحدين أينما كانوا ، ولأنهم أقلية هائلة يظل حياً ونافخاً رحيقه في أشد الأوقات ضراوة تجاه أرواحنا، في أزمنة الحرب والجوع والكوليرا، يقترح أوكتافيو باث: "في الماضي كان الناس يتحدثون مع الكون، أو كانوا يظنون أنهم يفعلون ذلك ، وحين كان لا يجيب فلأنه، على الأقل، كان مرآة لهم، وفي القرن العشرين اختفى المتحدث الغامض واختفت الأصوات الغامضة .. صار كل إنسان وحيداً في المدينة الهائلة، يتشارك في عزلته مع ملايين الوحيدين، إن بطل الشعر الجديد معتزل وسط حشود المعتزلين" هكذا تحدث باث .. وهكذا نفهم وهماً يراودنا بأن زمان الشعر انتهى، وإن لا احد يقرأ الشعر الآن ، لكن هذا التداول الخفي في زمن العزلة يجعل سوق الشعر هي العتمة نفسها، حيث يمكن أن نتحسسه دون أن نراه ، الشعر الحقيقي لا يحب الشمس، لأنه لا يرغب أن يكون عاكساً لضوئها ، لكنه شغوف بنسج خيوط الضوء من العتمة، ومنغمس في إيقاظ كل الحواس التي طالها البكم والتلوث، يرى وسط الظلام وينصت في قلب الصخب ويشم وسط الحرائق ويتلمس الأشباح بأصابع مبتورة ، ليس المعجزة ما يفعله لكن الطفل العنيد في داخله لا يتوقف عن إحراج الأجوبة الراشدة بأسئلته البسيطة والمربكة، هنا ينهض السؤال من جديد ـ يقول شاعر معتوه خرج من الكهف متوهماً أنه سيضيء العالم :هنا البرزخ الذي نستدربه إلى حتف الأجوبة .. ماذا نريد ؟ .. لماذا الشعر؟.. وكيف القصيدة التي تشيّد ماءنا العنيد؟ .. نحن الشعراء المنبوذين ، ننتبذ بياض الورق لنسفر عن أوهامنا .. نحوج الأرض التي كلما أمطرناها ربت .. نحتاج السنبلة المائلة في الشفق الحميم .. نحتاج قليلا من الحبر نلوّث به يقين العالم .. نسترسل في أحلام اليقظة لننحت المكان كما يشاء المجاز .. . ليس في مقدورنا ارتياد الغرف بحزن المراهقات ، وليس في مكنتنا قلب الأساطير التي تنبض قرب أسرّتنا .. فقط نشتهي .. وفقط نكذب حينما يكون الصدق قمار الواثقين .. نكذب فنقول : إنَ الطفل الذي قفز من النافذة كان يلاحق العصفور الملون ، وان المرأة التي عطّرت سريرها تنتظر الأشباح ، ونكذب لنقول أن الغبار شتائم الصحراء التي نخونها مع عشب الحدائق .. لنا هذا الوتر الذي نشده بين العقل وشهوة الروح، لنا هذا الحبل الذي تخفق فوقه ثياب التجربة.. نرمي عصانا في لهب الأغاني ونترك للبحر محاريث الأنبياء .. نحن الشعراء ربما.. نطرد الخوف بصفير القصائد .. يتبعنا الغاوون حين يكون الغيٌّ ارتياب .. نصبأ عن الجبال ونهيم في كل واد عميق .. نقول ما لانفعل فنخترع الحلم ، ونفعل ما لا نستطيع فنخترع الوهم .. نسمو بالنثر إلى القصيدة ونعيد إلى الجسد طقسه الوثني .. نهرّب الخيال في جواربنا .. نرسم في غرف دون سقوف ونمضغ نعناع البراءة كي لا تفوح رائحة الحلم من أفواهنا .. نغادر الطرق المدروبة إلى مسارب الغابة الطرشاء.. نُزوّج الشوك من ألق البحيرة، ونشطب بالفرشاة قضبان النافذة .. متراسنا الضحك.. نتفكه على الندم ونزرع أصابعنا ديناميت في غرف المعاجم .. حديقة الكلمات المروضة ونزهة المحايدين .. لنطلق كائناتها الهادئة في الشوارع الصاخبة ، وننزع من عيون الآخرين معانيها المؤجلة .
الجسد عبقرنا الكثيف .. برهان الروح .. مأوى الجنون وخارطة النص الذي يمارس نزواته على الملأ.. .. لماذا الشعر؟ .. سؤال بحجم لماذا نحن .. وما هو الشعر ، سؤال بحجم الوجود، هائل مثل بركان وهامس كعود ثقاب .. نكتب على ضوء الحرائق قصيدة البرد والسلام ، ونكتب في الطمأنينة قصيدة القلق .. أنيسنا الفزع حين يستبد بالعيون طحلب الرضا.. لا نريد شيئا .. ولا أن نكون شيئا .. مغامرين أو عباقرة .. فقط نغني بهدوء .. مبللين على الأشجار العارية .. ننعش خشب النساء المنتظرات طقس البكارة بغيم الحبر المتناسل في أرواحنا .. لا نريد شيئا ولا أن نكون .. فقط نحن كما نشاء .. وكما الحياة نفسها تعبث بكل يقين.

الجمعة، ٨ مايو، ٢٠٠٩

سالم العوكلي ــــــ اللوحة للفنانة سمر ذياب

صخب أبكم أو ماذا بيننا ؟

ظهري .. للعيون
الناكثةِ بنورها
ترابٌ لا ظلَّ منه
صخبُ لا صوتَ فيه
ومتاريسُ على عتبات البيوت.
تُهتُ ما يكفي ..
في مكاحل الليل
ووهبتُ فمي لرحيق العلكة
حتى انطفأ الكلام .
شَهْدٌ في خلايا الصمت لكنَّ ..
الصوتَ ظُفرُ اللسانِ ..
بوحُ الكائنِ بضوئه القاطن ..
قصباً تبرجت فيه الريح موالْ .
أنا ..
الناثر في دبيب الحبر روحي
لا أقوى ..
على هز غربال أعمى
ظهري لارتجاف البنادير ..
بين أرداف السكارى
صخب لا صوتَ فيه ..
ماءٌ تثاءب على مقعد الخشب.
عرقُ الغيم ملهمٌ ،
ندى الصفيحِ ،
جرسٌ أبكمْ ..
يتأرجح في سرير دون طفل .

كيف ألعب ،
واللغة يخسفها ضَنْكُ الخيالِ ؟
كيف أعبر إلى الشرفة المقابلة ،
واللسانُ دون ظُفرٍ ..
يتنزه في غسق الإناث ؟
علكةٌ دون سُكَّرِها ..
معضوضةٌ على الرصيفِ ،
أزهار تنزف ألوانها على القبور
أيقظيني حبيبتي
أينعي قهوة الصباح ..
على مرج يديك
حضري ..
مطرَ الدشِ النحيلَ ، وباعدي
بيني وبين دم البعوض على الجدارْ
باعدي
بين الشمس ،
وزبدة الليل الحميم
برمجي الحذاء ..
إلى دروبٍ لا تفضي ،
وانثري العطر تحت أقراطك
صوِّبي ريموتَ بهجتك
إلى كل خبرٍ حزينْ ،
سأنبح وحدي ..
كلَّ عابرٍ قربَ وسادتنا ،
سأُفلِّي حليبك من كل نَرْدٍ شاردٍ .
نهدُك الأيمنُ ..
في المرآة .. يسارُ الحديقة ،
وأصابع قدميك
المقلوعةُ من الحذاءِ ..
مشرقةٌ على كتفيّ .
أطيعي كل نداء للجنونِ ..
أيقظي الخميرةَ في كل صوتٍ لا يقول .
أعديني حبيبتي إليّ
هنا الأمكنةُ مشحوذة الحسك
تردُّ العاشقَ عن موعده الطري .
بيننا متر من الأوهام
نُجيره من كل يقين
بيننا منفضة ..
نحلب فيها رمادَ الأقنعة
وبيننا
لا شئْ
نُمهله إلى حين .
وقتٌ لفرار الروح ،
لازدهار الصمت بالمعنى ..
ماذا حقاً .. بيننا ؟
نعناعٌ مورقٌ في الأكوابِ
وأغنيةٌ بعيدة ..
أنا عندي حنين …
………
لفرار الروح من شِراكها
لانبلاج الصوت
من حزن العيون .
يونيو 2005




































الخميس، ٧ مايو، ٢٠٠٩

سالم العوكلي ــــــــــــ اللوحة للفنانة ظلال غزلان



هنري ميللر
يقول هنري ميلر في لقاء معه : أتمنى هذه الأيام إعادة قراءة حياة غوته ، وقصة حبه الأخيرة ، أريد أن أعرف بماذا أحس ـ ذاك الرجل العظيم والأوروبي العظيم ـ عندما وقع في غرام فتاة صغيرة رفضته ، في حين كان العالم بأسره يعتبره إلهاً .
رينيه دو مونترلان صاحب خماسية الصبايا والتي قرأتها بشغف في الثمانينات ، عرفت فيما بعد كيف أنتهت حياته ، رجل كان معبوداً للنساء للدرجة التي كان يملي شروطاً غريبة على من يراسلنه طلباً لقضاء ليلة واحدة معهن ، وعندما طاردته فتاة بعد أن تركت الكنيسة من أجل ليلة واحدة تقضيها معه ، قال لها من أرغب فيها يجب أن تكون : شقراء ، وطويلة ، ومكتنزة الوسط ، وغير مثقفة .. الخ ، وانت للأسف لا تملكين أياً من هذه المواصفات ، ويتحدث في الجزء الأخير من خماسيته عن رفيقته المغربية خديجة المصابة بالجذام ويعتبرها أفضل علاقاته على الإطلاق لأنها كانت تضاجعه دون أن تناقشه عن كتبه ، أو بالأحرى دون أن تعرف أنه كاتب .. هذا الرجل بعد أن بلغ الستينات تعثر في الشارع وسقط ، فضحكت فتاة جميلة كانت تمر بقربه ، ومن لحظتها عرف أن حياته يجب أن تتوقف ، فابتاع مسدساً وتابوتاً ، رقد في التابوت وأطلق عياراً على رأسه بعد أن ترك ورقة صغيرة حول الحادثة ،
هنري ميللر ـ الذي أحب في بداية مراهقته امرأة تكبره بخمس عشرة سنة ، وهو الحب الذي يسميه شفقة : (إنها تجربة حب باعثة على الرثاء لأنها تقوم على الرأفة ولم أكن قادراً على فراقها وذلك رأفة بها ، لا أريد تحطيمها وكل هذا بالنتيجة سيء جداً) ولاحقاً كما يقول كانت نساؤه أصغر منه سناً ـ يتمنى أن يعرف إحساس رجل عظيم رفضته فتاة صغيرة .. لا أعرف إن كان إحساسه مثل زوربا الذي يستمتع بالعلاقات حتى وإن كانت تقوم خارج جسده ، أو مثل فتحي الشويهدي الذي ترى بريق الفرح في عينيه عندما يحدثه آخر عن مغامرة جسدية ، وكأنك تحدث بدوياً عن سقوط أمطار حتى وإن كانت في أرض بعيدة عنه ، أم كان إحساس غوته مثل الطغاة الذين اعتقدُ أن طغيانهم متأتي عن حالات رفض مثل هذه ، هنري ميلر يبدو أنه لم يختبر مثل هذا الشعور ، لذلك أحب أن يقرأه في تجربة عظيم آخر أحس للحظة بأنه جدير بأن يحصل على كل شئ ، كانت ألوهيته تتأتى من منجزه الإبداعي المرتبط بالخلق ، لكن ثمة ألوهية أكثر رهبة وسمواً تنبع من كونك قادراً على أن تحب وبعمق في أي سن من عمرك، حتى وإن كان هذا الحب من طرف واحد ، عندما تحاصر امرأة تعتقد أنها وحيدة بلسانك المعسول وكل ما وهبتك البلاغة والشعر والتجربة ، وترد عليك بهدوء : أنت مثل أخي ، عليك أن تكتشف في هذه الهزيمة أشياء لا تقدر بثمن ، ولا تقارن بهزة سرير، ثمة دائما افتراضات خاطئة يجب أن تصفعك على وجهك ، ويقين يلوي في يدك مثل سلك نحاسي ، كان من البديهي والمنطقي والمسلم به أن تستجيب تلك الفتاة الصغير النكرة لرغبة غوته وتدخل التاريخ ، لكن المنطق يضرب في الصميم ، لأن الفتاة من الممكن أن تعبد غوته دون أن تعطيه روحها ، الروح ملكية خاصة ومنحها حتى للإله يعني فقدانها ، علينا أن نحاصرها داخلنا لننعش بها الجسد ، ونحفر فيها أوهامنا المبجلة . أحب هنري ميلر أن يعرف إحساس غوته ، لكن أحب أنا أن أعرف إحساس تلك الفتاة ، فأحاسيس غوتة نابعة من التاريخ والهالة والسلطة . نحن كثير اً ما نأسف دائماً لزواج غير متوازن ونرجعه لأصله المرضي ، عقدة إلكترا ، أو عقدة أوديب .. يبدو أن الحياة علمتنا التوازن ، والعلاقات المنطقية بشكل يجعلنا نعتبر كل ما ينتهكها مرضاً .. عقدنا مرة ندوة على هامش إحدى المهرجانات ، مجموعة من الكتاب الليبيين والعرب ، وكان المحور الأساسي ؛ أن يحدثنا كل شخص عن تجربته الجنسية الأولى ، وتسعون في المائة من التجارب كانت اغتصاباً في بداية الصبا من نساء ناضجات ، هل يرجع ذلك لضغط مجتمعات الكبت ، أم لعقدة أوديب مقلوبة ، أم للجو الآمن الذي يحيط بهذا الطقس بالنسبة للنساء ، أم لطقس أمومي يختبر نكهة اللذة المحرمة .. ما أعرفه أن التوازن والمنطق يضرب في صميمه ، وأن تجاربنا الأولى لا تخلو من الجنون الذي نستقبله بدهشة يشوبها الخوف .

الإثنين، ٤ مايو، ٢٠٠٩

عزف التجربة

اللوحة للفنانة : دلال حسن ترحيني

تلهمني الشمس حين تشرق :
أن أقول ما أفكر فيه ،
ولا أفكر في ما أقول .
أن أشعل لفافتي الأخيرة ..
قرب آنية السمك .
أن أعشق الأنبياء ..
لأنهم اقترحوا
شعر السماء

يلهمني الليل ..
حين يتسرب تحت الثياب
أن أسكن ..
في ضحكة امرأة ..
لا توصد الباب في وجه أحد ،
أن أمر من كأس الخمر ..
إلى أسرار الرفاق ،
وأكذب ..
ليغدو الأصدقاء ..
أكثر قربا.
أن أسرف في ولعي بالجسد ..
المصغي لعزف التجربة،
وأضيء كل مساء بموعد.

يلهمني المصعد الضيق ..
أن أتنفس ..
في عنق امرأة .. لا أعرفها،
وألمح في المرآة
عطر النزوات العجلى .
أن أتأمل ..
نور الأبواب ..
تُفتح دون أن نطرقها

تلهمني الأوراق اليابسة ..
أن أسأل ..
غير مأخوذ بإجابة ،
وأن أمشي ..
في هذه الأرض مرحا

تلهمني الحديقة ..
أن أكوي القميص الرخيص
والمؤشر صوب الحرير
وأن أغرق في شبر أنثى.

تلهمني الحرباء
أن أشرب..
العشب بقدميّ

يلهمني اللون الأسود
أن أمتص ..
قوس قزح .