الجمعة، 8 مايو 2009

سالم العوكلي ــــــ اللوحة للفنانة سمر ذياب

صخب أبكم أو ماذا بيننا ؟

ظهري .. للعيون
الناكثةِ بنورها
ترابٌ لا ظلَّ منه
صخبُ لا صوتَ فيه
ومتاريسُ على عتبات البيوت.
تُهتُ ما يكفي ..
في مكاحل الليل
ووهبتُ فمي لرحيق العلكة
حتى انطفأ الكلام .
شَهْدٌ في خلايا الصمت لكنَّ ..
الصوتَ ظُفرُ اللسانِ ..
بوحُ الكائنِ بضوئه القاطن ..
قصباً تبرجت فيه الريح موالْ .
أنا ..
الناثر في دبيب الحبر روحي
لا أقوى ..
على هز غربال أعمى
ظهري لارتجاف البنادير ..
بين أرداف السكارى
صخب لا صوتَ فيه ..
ماءٌ تثاءب على مقعد الخشب.
عرقُ الغيم ملهمٌ ،
ندى الصفيحِ ،
جرسٌ أبكمْ ..
يتأرجح في سرير دون طفل .

كيف ألعب ،
واللغة يخسفها ضَنْكُ الخيالِ ؟
كيف أعبر إلى الشرفة المقابلة ،
واللسانُ دون ظُفرٍ ..
يتنزه في غسق الإناث ؟
علكةٌ دون سُكَّرِها ..
معضوضةٌ على الرصيفِ ،
أزهار تنزف ألوانها على القبور
أيقظيني حبيبتي
أينعي قهوة الصباح ..
على مرج يديك
حضري ..
مطرَ الدشِ النحيلَ ، وباعدي
بيني وبين دم البعوض على الجدارْ
باعدي
بين الشمس ،
وزبدة الليل الحميم
برمجي الحذاء ..
إلى دروبٍ لا تفضي ،
وانثري العطر تحت أقراطك
صوِّبي ريموتَ بهجتك
إلى كل خبرٍ حزينْ ،
سأنبح وحدي ..
كلَّ عابرٍ قربَ وسادتنا ،
سأُفلِّي حليبك من كل نَرْدٍ شاردٍ .
نهدُك الأيمنُ ..
في المرآة .. يسارُ الحديقة ،
وأصابع قدميك
المقلوعةُ من الحذاءِ ..
مشرقةٌ على كتفيّ .
أطيعي كل نداء للجنونِ ..
أيقظي الخميرةَ في كل صوتٍ لا يقول .
أعديني حبيبتي إليّ
هنا الأمكنةُ مشحوذة الحسك
تردُّ العاشقَ عن موعده الطري .
بيننا متر من الأوهام
نُجيره من كل يقين
بيننا منفضة ..
نحلب فيها رمادَ الأقنعة
وبيننا
لا شئْ
نُمهله إلى حين .
وقتٌ لفرار الروح ،
لازدهار الصمت بالمعنى ..
ماذا حقاً .. بيننا ؟
نعناعٌ مورقٌ في الأكوابِ
وأغنيةٌ بعيدة ..
أنا عندي حنين …
………
لفرار الروح من شِراكها
لانبلاج الصوت
من حزن العيون .
يونيو 2005




































الخميس، 7 مايو 2009

سالم العوكلي ــــــــــــ اللوحة للفنانة ظلال غزلان



هنري ميللر
يقول هنري ميلر في لقاء معه : أتمنى هذه الأيام إعادة قراءة حياة غوته ، وقصة حبه الأخيرة ، أريد أن أعرف بماذا أحس ـ ذاك الرجل العظيم والأوروبي العظيم ـ عندما وقع في غرام فتاة صغيرة رفضته ، في حين كان العالم بأسره يعتبره إلهاً .
رينيه دو مونترلان صاحب خماسية الصبايا والتي قرأتها بشغف في الثمانينات ، عرفت فيما بعد كيف أنتهت حياته ، رجل كان معبوداً للنساء للدرجة التي كان يملي شروطاً غريبة على من يراسلنه طلباً لقضاء ليلة واحدة معهن ، وعندما طاردته فتاة بعد أن تركت الكنيسة من أجل ليلة واحدة تقضيها معه ، قال لها من أرغب فيها يجب أن تكون : شقراء ، وطويلة ، ومكتنزة الوسط ، وغير مثقفة .. الخ ، وانت للأسف لا تملكين أياً من هذه المواصفات ، ويتحدث في الجزء الأخير من خماسيته عن رفيقته المغربية خديجة المصابة بالجذام ويعتبرها أفضل علاقاته على الإطلاق لأنها كانت تضاجعه دون أن تناقشه عن كتبه ، أو بالأحرى دون أن تعرف أنه كاتب .. هذا الرجل بعد أن بلغ الستينات تعثر في الشارع وسقط ، فضحكت فتاة جميلة كانت تمر بقربه ، ومن لحظتها عرف أن حياته يجب أن تتوقف ، فابتاع مسدساً وتابوتاً ، رقد في التابوت وأطلق عياراً على رأسه بعد أن ترك ورقة صغيرة حول الحادثة ،
هنري ميللر ـ الذي أحب في بداية مراهقته امرأة تكبره بخمس عشرة سنة ، وهو الحب الذي يسميه شفقة : (إنها تجربة حب باعثة على الرثاء لأنها تقوم على الرأفة ولم أكن قادراً على فراقها وذلك رأفة بها ، لا أريد تحطيمها وكل هذا بالنتيجة سيء جداً) ولاحقاً كما يقول كانت نساؤه أصغر منه سناً ـ يتمنى أن يعرف إحساس رجل عظيم رفضته فتاة صغيرة .. لا أعرف إن كان إحساسه مثل زوربا الذي يستمتع بالعلاقات حتى وإن كانت تقوم خارج جسده ، أو مثل فتحي الشويهدي الذي ترى بريق الفرح في عينيه عندما يحدثه آخر عن مغامرة جسدية ، وكأنك تحدث بدوياً عن سقوط أمطار حتى وإن كانت في أرض بعيدة عنه ، أم كان إحساس غوته مثل الطغاة الذين اعتقدُ أن طغيانهم متأتي عن حالات رفض مثل هذه ، هنري ميلر يبدو أنه لم يختبر مثل هذا الشعور ، لذلك أحب أن يقرأه في تجربة عظيم آخر أحس للحظة بأنه جدير بأن يحصل على كل شئ ، كانت ألوهيته تتأتى من منجزه الإبداعي المرتبط بالخلق ، لكن ثمة ألوهية أكثر رهبة وسمواً تنبع من كونك قادراً على أن تحب وبعمق في أي سن من عمرك، حتى وإن كان هذا الحب من طرف واحد ، عندما تحاصر امرأة تعتقد أنها وحيدة بلسانك المعسول وكل ما وهبتك البلاغة والشعر والتجربة ، وترد عليك بهدوء : أنت مثل أخي ، عليك أن تكتشف في هذه الهزيمة أشياء لا تقدر بثمن ، ولا تقارن بهزة سرير، ثمة دائما افتراضات خاطئة يجب أن تصفعك على وجهك ، ويقين يلوي في يدك مثل سلك نحاسي ، كان من البديهي والمنطقي والمسلم به أن تستجيب تلك الفتاة الصغير النكرة لرغبة غوته وتدخل التاريخ ، لكن المنطق يضرب في الصميم ، لأن الفتاة من الممكن أن تعبد غوته دون أن تعطيه روحها ، الروح ملكية خاصة ومنحها حتى للإله يعني فقدانها ، علينا أن نحاصرها داخلنا لننعش بها الجسد ، ونحفر فيها أوهامنا المبجلة . أحب هنري ميلر أن يعرف إحساس غوته ، لكن أحب أنا أن أعرف إحساس تلك الفتاة ، فأحاسيس غوتة نابعة من التاريخ والهالة والسلطة . نحن كثير اً ما نأسف دائماً لزواج غير متوازن ونرجعه لأصله المرضي ، عقدة إلكترا ، أو عقدة أوديب .. يبدو أن الحياة علمتنا التوازن ، والعلاقات المنطقية بشكل يجعلنا نعتبر كل ما ينتهكها مرضاً .. عقدنا مرة ندوة على هامش إحدى المهرجانات ، مجموعة من الكتاب الليبيين والعرب ، وكان المحور الأساسي ؛ أن يحدثنا كل شخص عن تجربته الجنسية الأولى ، وتسعون في المائة من التجارب كانت اغتصاباً في بداية الصبا من نساء ناضجات ، هل يرجع ذلك لضغط مجتمعات الكبت ، أم لعقدة أوديب مقلوبة ، أم للجو الآمن الذي يحيط بهذا الطقس بالنسبة للنساء ، أم لطقس أمومي يختبر نكهة اللذة المحرمة .. ما أعرفه أن التوازن والمنطق يضرب في صميمه ، وأن تجاربنا الأولى لا تخلو من الجنون الذي نستقبله بدهشة يشوبها الخوف .

الاثنين، 4 مايو 2009

عزف التجربة

اللوحة للفنانة : دلال حسن ترحيني

تلهمني الشمس حين تشرق :
أن أقول ما أفكر فيه ،
ولا أفكر في ما أقول .
أن أشعل لفافتي الأخيرة ..
قرب آنية السمك .
أن أعشق الأنبياء ..
لأنهم اقترحوا
شعر السماء

يلهمني الليل ..
حين يتسرب تحت الثياب
أن أسكن ..
في ضحكة امرأة ..
لا توصد الباب في وجه أحد ،
أن أمر من كأس الخمر ..
إلى أسرار الرفاق ،
وأكذب ..
ليغدو الأصدقاء ..
أكثر قربا.
أن أسرف في ولعي بالجسد ..
المصغي لعزف التجربة،
وأضيء كل مساء بموعد.

يلهمني المصعد الضيق ..
أن أتنفس ..
في عنق امرأة .. لا أعرفها،
وألمح في المرآة
عطر النزوات العجلى .
أن أتأمل ..
نور الأبواب ..
تُفتح دون أن نطرقها

تلهمني الأوراق اليابسة ..
أن أسأل ..
غير مأخوذ بإجابة ،
وأن أمشي ..
في هذه الأرض مرحا

تلهمني الحديقة ..
أن أكوي القميص الرخيص
والمؤشر صوب الحرير
وأن أغرق في شبر أنثى.

تلهمني الحرباء
أن أشرب..
العشب بقدميّ

يلهمني اللون الأسود
أن أمتص ..
قوس قزح .



الأحد، 3 مايو 2009

ما الذي يضحك فينا؟

اللوحة للفنانة زهرة المتروك
في خدمةِ كل وهم
يكتبني
أردُّ السلامَ على العابرينْ
واكتفي بوقتٍ قليلٍ
لاقترافِ السؤال
ما الذي يَضْحَكُ فينا ونعبرُه
ما الذي يَرقصُ في النافذةِ المقابلة
مَرَحِي الكثيرُ
مسكونٌ بخوفِ أصدقائي السُّكارى.
من أين تأتي كلُّ هذه الأشباحِ
إلى قعدتنا؟
وكيف تضئُ النكتةُ أرواحَنا
ثم ننطفئُ ؟
أُمجِّد النظرةَ
التي تقاومُ وَهَجَ المعاني..
أتَصَدَّقُ بدمي لأجسادٍ لا أعرفُها
وأنكُثُ بأوهامٍ
تدربْتُ على مشيتها في مُسْتهلِّ الحبرِ.
أنا هنا أترصَّدُ رَبْوَها
تلك التي أينعتْ في غيبتي ..
مشرعٌ لكل
عطلةٍ تمنحني للفِراشْ
لكل مَقْلَبٍ
يبذرُ الضَّحِكَ في وجوهِ الرفاقِ .
تربيتي جيدةْ ..
وأسراري مهدرةٌ في كل سَكْرةْ ..
مفكرتي مليئة بالأرقام المرفوعةِ عن الخدمةْ ..
غيرُ لائقٍ للخدمة الوطنية
وشبابي قضيتُه في لَعِبِ الورق .
متعَبٌ
لكني أريدُ لهذا الوجهِ
أخاديدَ بلا شوك ،
ولهذا الرأسِ مَنْجَمَ كُحْلٍ
وأريد لبنتي الوحيدةْ
أن تشربَ الموسيقى مع الإفطار .
ضوءٌ صغيرٌ
في آخر القلبِ
لكنه يكفي للتمعنْ
….
…
أنا هنا
لكني هناكْ
انتظرُ مجيءَ الأولادِ
لألعبْ

الجمعة، 24 أبريل 2009

ربيع درنة





أو ..
على سرج وثير
رديني إلى مَهْجَعٍ
أرى منه النجوم ..
إلى مرقد المنجل
تحت دثار من سنابلَ ..
أسكبُ الماء
على شحم الأيادي ..
مقايضاً
رغوة الصابون برحمة الوالدين ،
ومغدقاً زادي من الريبة
على كل وجه واثق ..

موقوت دمعي الخصب
برعشة مزمار
يتوضأ القلب
في لعابه الهادر ..
ليس بيدي
خرق المواعيد
التي تاجرت بوقتي ،
وليس بقدمي
سوى دروب
تحاشت وحل المسالخ
ومضت في السفوح
تترصد ساكنة الوادي البعيد ..
أمحو تجاعيد اليد
بكيروسين الموقد
سارداًعلى ضوء اليراعة
حنكةَ الظل
يرسم على الرواق كائنات لا تحد ..

ممشوقاً كمسواط رغوة
ولجتُ شوارع لا تفهم شعري ..
أحيك من صوف الخرافة
نور فتارينها ..
نورس يمتص روحي العزباء هناك ،
ومقالع حجر
يغفو على خشب النوافذ غبارها ..
مدينة تربت معي في القماط
أدخر في صندوقها عكازي
هائماً في شوارعها النحيلة
أجر الخطى
إلى كل جدار وردي
فترد بوحي أزقتها اللاطمة ..

من هنا
مر شاعرها الكاشف
حادي الوهم
إلى برتقال الوعود ..
ثَمِلٌ .. يلمع في نظارته
بريق وطن ،
وفي خطاه المائجة
قوافٍ تترنح في بحر يضيق ..
على برد المساطب
ألقَى حزمة الحطب
وغنى عيدها دون كعك ..
في كل مأتم له سؤال ،
ومن كل منور له دخان . .
عاث في رَوْعِ المدينة
خراباً حالماً
وزمجر برحاه
حيث الهمس مائدة الخائفين
ما طاق ليله دون خمر
ولا طاق السكوت !
من هنا مرت شعائر الجسد
المولع بالبخور ..
عين سوداء
تثقب عتمة اللحاف الأبيض !!
يتهادى
فوق الكاحل المترع
كرذاذ من النسيان ..
ونقر الكعب النحيل
يتلو على مسمع البلاط
آياته الخرساء ..
أو
هنا كان جرده الأبرص
مشتعلاً بالدفوف
يحصي بنات المدارس
على عقيق المسبحة
ذارفاً خوفه من عطن الفاكهة
تحت الجلابيب ..
آه .. يا صمت النحاس
كيف تتلمذ البارود على رائحة الياسمين ؟
وكيف اندثر الجسر القديم ؟
كيف تخثر السحلب
على الطاولة الفارغة ؟!
كيف تشرد الصيف في صمغ الرطوبة
باحثاً عن مقهاه الضليل ؟
كيف تقشرت حوافر الحصان
ومات في عربته الصهيل ؟
كيف استدار الزمان
وجار حبق الظل
على قامة النخيل ؟!

ليل المعادن كاسر كالريح
ريح المنارة
هامدة دون صفير ..
احمني من ضلالي فيك
يا قوت الذاكرة ،
يا أندلس المنفية فينا
آثمة في لوثة العِرْقِ
في لفتة الغريب
لا نثير الأضرحة يشفع لك ،
ولا الجهنمية
المطلة على الجار بالزهور ..
تائه غربالك في وبر الطحين ،
وحيض الوادي
نازف في البحر ورد السرير !!
يبكي السهارى شبابك ..
وما تبقى في الكؤوس
ذاهب في سواقي التجاعيد ..

على مهلك قليلاً
أعيد ترتيبك
كم كانت الأسماءُ عاتيةً
حين أحاق بك الغبار !
الأكواب تموج على السفرة
والطناجر قبعة الرؤوس ..
السور مُرٌّ على جلدك
تثقبينه بالسكر والرغيف ..
نام القرهمانلي تحت عرائشك
وسيفه في البحر صنارة لا تهتز ..
عَبَرَ الطغاة كرسيك الهزاز
وما رمش فيك كحل ..
آخر طلقة في المشط
وأمضي بجراحي في ظلام السوق ..
ليس يكفيني منك رقصة على خشب السدة ،
وليس يكفيك هذا النشيج ..
أنا النازل إليك من صفعة بعيدة
تعلمت فيك صخب الروائح
واقتسام المعابد لقلبك الفسيح ..
أنا النازل دون درع
أشم عطر السواني الموحلات ،
وأملأ من زفيرك صدري ..
فأحمني من هذا الصمت ،
ومن غبش العين في معانيك !
ليس بعد مأتم الزمن الجميل ،
وكلَّ ربيع يرشح العشب فيك من الصدوع ..
مبتلة كعهدك بالحبر
فأنصتي لخُطَى قلمي في وريدك ،
ولسرد الحجر في حيطانك القديمة ..
نقلي هواك حيث شئت ،
وانتعشي بشوق الكهول إلى طفولتك ..
أو
فألوي يد الزمن العذب ،
وقوديه إلى الغد موفور الرحيق ..

حُوتٌ على الأبواب ،
وحوت بالحناء على كف الجامحة فيك
حوت على كل نهد ،
وعلى الوسائد حوت
أقول
وثقوب القصب غائرة في الروح :
كيف جَمّعْتِ كلَّ هذي الدماء
دون أن تنكسري ؟
أقول ..
يا من تقوست فيك ظهور العابرين
يا من بنيت على كل رصيف
ماء السبيل ،
أقول يا من .. وأقول ياما
أقول :
بَرَدَ الحَساءُ في انتظار الطارق
ومالت الشمس
خلف منقارك العالي ..
فاقتربي من الآنية
ليس لك هذا الظمأ المزدهر ،
وليست لك السكاكين
اللامعة في خاصرات اليأس ..
ليست لك الفخاخ ،
وحلبات القبائل ..
ليس لك
سوى ما اخترعناه فيك ؛
منابت الطيش
جيرة الشرفات
قطارة الزهر
خمر التين
معزوفة الراعي
عطش النعناع
ومهطل الدراويش
في كترك الحميم ..
يا قبلة كل جائع
في زمن شُحِّ الرماد
أعطني فسحة
لأحلم فيك ..
أو
رديني إلى مهجع
أرى منه النجوم . ....

سالم العوكلي .. أكتوبر 2006










ليل درنة





الليل ….
ليل درنة
معطف للقلب الموارب
غابة تنحني فيها قامة الخوف قليلا
في كنف العتمة
نختلس الحياة
ونبني ..
سرو الضحك
خلف الأبواب المغلقة
الموسيقى ….
تخفت في مغزل العاشق
كي لا توقظ الجيران
خمر ليمونها الشفشي
تتنزه بين الشفاه
والنعناع مرابط على تخوم السهر
البنادير ترجف
في ضباب البخور
على ضاحية الكيف
تسلق صمت المعابد القديمة
الليل
ليل درنة
رطب … وغوير
يشخر على كتف الباطن
مقلوباً في جلده ..
يضئ أرق التبغ في أكشاكه الساهرة
ويشرب من عيون الدرناويات
لونه العتيق

بناته يهمسن في الهواتف
خزين الروح المراقة على برد الجدار
……
شرفات .. يمضغ الملح معدنها
وأقدام تترنح في شقوق الظلام
ظلال تستطيــــل
على ضوء عربات الشرطة
وتجهش بمائها ..
المسلوخ من عواء البحر

ليل درنة
ضيق على أحلام المراهقات
تعبر بطيئةً
رصيفه المزدحم بالعيون
تشاكسه ثقوب الضوء
في البيوت القديمة
صخب الرفاق
النابحين في هويد الليل أشباحهم
مِسْكُهُ
يتنفس تحت النوافذ ،
والأقراط .. تهبط بهدوء
تحت ضوء الوناسات الحميم
درنة غزيرة الروح ..
وذائبة كالسكر في شفاه التين
ليلها اللايكفي لرقصة أخرى
بابٌ توصده ..
على ثياب النهار
وتخفق بشَعرها الأسود
برد الحوش
مزماراً
يسكر الخصر الثري
وصلاةً
للمطر العنيد .

طقوس الظلام


1

كان عمري يناهز العشر سنين ، وكنت كوبوي صغيراً يرعى قطيعاً من الأبقار في أطراف الجبل الأخضر الذي مازال محتفظاً ببعض أشجار العرعر المتناثرة من بقايا تلك الغابة الطرشاء ، وبقايا صهاريج وكهوف رومانية قديمة ، كان النهار قائظاً فدخلت إحدى المغارات لأستظل بها ، قبو طويل بارد ورطب ومعتم ، يضيق كلما تعمقت به ، كانت تنصب به الشراك لحيوان صيد الليل الذي تغطي جلده إبر طويلة تسمى الشيص يستعملها للدفاع عن نفسه كلما أحس بالخطر فتتطاير كالنبال في كل اتجاه ، يشعلون النار في مدخل المغارة فيخرجه الدخان إلى الشرك المعد باتقان ، في تلك المغارة أخذني عند المساء سبات عميق ، وعندما صحوت وجدت نفسي في عتمة سوداء ، واصطدم رأسي بسقف المغارة الضحلة حين نهضت بسرعة وأنا لا اعرف مكاني ، خرجت زاحفاً وركضت مسرعا، وكانت تلك الواقعة أول صدامي مع عتمة بهذه الكثافة ، وكانت بدايتي خوفي من الظلام ، كنت أركض هاربا إلى عتمة أقل شراسة حيث بدت الأشياء في وميض الليل كأنها أشباح تلاحقني .

في مساء شتائي كنت نائماً بمفردي في منزلي القديم الذي يرجع بناؤه إلى العشرينات ، وأثناء نومي انقطع التيار الكهربائي ، وعندما نهضت وجدت نفسي بعد أكثر من ثلاثين عاماً في عتمة المغارة نفسها ، شئ واحد كان يختلف ، وهو أني أسمع صوت السيارات في الخارج ، فتحت الشباك لأجد العتمة في الشارع أكثر ألفة وطمأنينة ، مطعونة بسيوف لهبية من أضواء السيارات المتشابكة في الأفق المعتم ، تصبح الحياة بعدها محاولة دائبة لإضاءة العتمة المتطرفة بعتمة أقل ضراوة، من الممكن أن أرى فيها حدود أصابعي ووميض شاحب ومعبر للأشياء حولي يمدني بمعنى غامض للمكان الذي يعبر عن حضوره بشكل آخر حين لا يكون مرئياً ، في الظلام تتحفز الحواس ، فتتمدد الشبكية لامتصاص أكبر قدر من الضوء المتاح ، وتقوى حواس أخرى كالشم والسمع ، وتطغى الروائح والأصوات المنسية من الطفولة مجتاحة عالم الصخب الراهن ، لكن حاسة اللمس تغدو أكثر فعالية ، تلمس الأشياء لحظة أفولها يغدو هو الضوء الهادي إلى طريق لم تعد في متناول الرؤية .. عندما كنت أركض من المغارة في طريق معتم كانت أقدامي تتلمس درباً خبرته جيداً ، حتى لاح لي من بعيد ضوء الفنار المتسرب من ثقوب الصفيح كنجوم بعيدة ، كانت الأبقار قد عادت في موعدها ، وأمي التي اعتقدت أنني كنت كعادتي عند الجيران لم أحك لها ما حدث ، لكنها لاحظت أني طلبت منها تلك الليلة أن لا تطفئ الفنار ، وأغمضت عيني على كابوس: أركض في عتمة لا متناهية على طريق موحلة تلتصق بها قدماي ، يطاردني مجهولون يرونني جيداً ، وانا لا أرى شيئاً عداهم ، وكأنهم في بؤرة ضوء مسرحية ، ومراراً كان هذا الكابوس يتكرر كما هو ، وكنت استغرب عدم تكرار الأحلام المرحة في الوقت الذي تعيد فيه الكوابيس نفسها مراراً ، وكأنها مسجلة على شريط في الذاكرة ، في الفترة اللاحقة وفي المرحلة الإعدادية تحصلت على كتاب أصبح لا يفارقني وقرأته عشرات المرات، ورغم ذاكرتي الضعيفة في الكتب التي قرأتها إلا أنني مازلت أذكر غلافه المزين بفتاة جميلة وعنوانه عذراء للبيع لكاتبة ساذجة اسمها حياة إلقاق ، وما شدني في ذلك الكتاب هو مشاهده الجريئة والتي كتبتها أنثى ، وأكثر المشاهد التي كنت أتوقف عندها هو مشهد الطالبة التي كانت تحاول إغراء معلمها الملتزم ، وعندما آوت في ليل عاصف إلى فراشها انفتح مصراعا النافذه ، نهضت لتغلقها فوجدت المعلم القادم مع الريح بين يديها ، وضمهما سرير دافئ وسط عتمة مطبقة ، لم تره أو يرها لكن لغة اللمس التي وصفتها الكاتبة بدقة كانت الضوء الذي أنار تلك الليلة ، وتولدت في ذهني عتمة أخرى شاعرية ونابضة بالحياة واللذة ، عتمة متخيلة ستغدو فيما بعد مرقداً لأحلام اليقظة التي عبرها كتبت نصوصي الأولى ، فكنت مأخوذاً بهذا الظلام المؤنس الذي سيغدو حظوة عندما يمتلئ نهاري بالكوابيس التي تعيد نفسها مراراً ، العتمة التي يتصرف فيها الجسد بكينونته دون تفسير أو مراقبة لما يحدث ، تتحول الخلايا إلى مسام تنمو ببطء في ظلام ناعم كالصوف ، ويغدو إشعال الضوء مثل النار في مدخل المغارة طعنة لهذا الطقس الذي نتحرر فيه من العالم الخارجي ومن المحيط وننكفئ داخل ذواتنا مفعمين بذاكرة تجعلنا نمارس الأحلام في ذروة اليقظة ، لهذا ربما نحب لحظة غروب الشمس الأخاذ الذي سيسلمنا لعالم من الأنس الخفي فإذا الليل حميم وشهواني وإذا الصبح مطل كالحريق ، وربما لهذا تمتلئ الأشعار بالتغني بالليل وبالعين التي تلتوي أثناءه في داخلنا لنمعن جلياً في عالم كامل يقطن هذا الجسد المتعب من لهاث النهار . في الليل تأوي ظلالنا إلينا وتغادرنا الأوراح عبر الأحلام والرؤى التي تعيد مثل الفن كتابة الحياة النهارية عبر كولاج مختلط ووجوه تأتي وتغادر دون أن نعرفها ، مخزون الذاكرة يخرج على السطح زاخراً بالتأويل ليحقق كوجيتو الحالم كما يقول باشلار ، نعم على عتبة ميتافيزيقيا الليل كل شئ هو سؤال .

2

وفود من حجاج الظلام كانت تتهاطل على منطقة البردي حيث تم الإعلان عن كسوف كلي للشمس في هذه المنطقة ، والكل مترع بفضول مشاهدة الطبيعة وهي تخرج عن نسقها لثوان معدودة . والكل كان متشوقاً لأن يرى النجوم في عز الظهر .

معظم الدعايات التجارية والسياحية التي تتحدث عن كسوف الشمس ، تركز على أن هذا الحدث لن تتاح لك فرصة مشاهدته إلا مرة واحدة في حياتك ، وإنك محظوظ كون هذا الحدث النادر وقع في الفترة التي تعيش فيها.. لا يتعلق إغراء الكسوف وملاحقة العالم له عبر الأرض بالعتمة التي تحدث وسط النهار .. إن المجاز هو الذي يحركنا تجاه هذا الحدث ، مثلما يجذبنا صوب الفن .. أن تفاجئك العتمة في الظهيرة .. أن ترتدي الشمس للحظات خمارها وتغدو قرصاً أسود تحيطه هالة خفيفة من الضوء الخجول ، كل هذه صور من الممكن أن تكون من صلب الشعر ، أو بالأحرى يمتلئ بها مجاز الشعر ، وشغف الإنسان هنا يتمحور حول فرصة أن يكون أمام المجاز وجهاً لوجه .. أن يتحول المجاز أو الاستعارة إلى واقعة تُلتقط بجانبها الصور التذكارية ، ثوان مسروقة من قلب الليل ، ومنثورة كعينة في عز النهار .. والعالم يرحل صوب هذه الثواني قاطعاً آلاف الأميال ، حيث انفجار العلاقة الفنية بين المكان والزمان ، السفر عبر مكان شاسع للتمتع بزمن مقتضب يكاد لا يرى ، وفي هذا الزمن الومضة يغدو الإنسان مصلوباً على فرصة حياته النادرة ، التي تبدو كتفجير لغوي مكثف عبر نص نثري طويل وركيك ، إضافة إلى فرص أخرى تجعله يثأر من إمكاناته البسيطة أمام قوة الطبيعة ، مستمتعاً بهذا النشاز الأخاذ في النظام الكوني برمته ، مثلما يستمتع الشاعر المناوئ بكسر إيقاع شعري ممل ورتيب ، تكمن لذة الثأر في إمكانية التحديق بقوة في قرص الشمس المنطفئ أمامه في ذروة ارتفاعه ، لحظة ضعف أنثوية تستسلم فيها الشمس الجامحة أمام عيوننا ، ولحظة نستمتع فيها بارتباك الكائنات المبرمجة بساعة بيولوجية ، تعود الطيور ملتبسة إلى أوكارها ، لتركن إلى ليل قصير لا يكفي لنفض جناحها ، ارتباك هذا النظام ساحر.. وضرب الرتابة في صميمها ملهم لنا .. قال أحدهم : ما الذي يدفعني لأن أترك أعمالي وأسافر بعيداً لأتفرج على دقيقة من الظلام ، والظلام متاح في بيتي بكثافة ، وهو هنا بذاكرة خالية من جاذبية المجاز ، يجرد الحدث ويخلع عنه شعريته ، يرده إلى خامة الأسئلة التي تتوخى الجدوى ، والسؤال عن الجدوى طاعن للفن في جوهره ، وتكفي إيماءة ساذجة للإجابة عنه .

أعود إلى الدعاية التي تتوسل كون هذا الحدث لن تراه إلا مرة في العمر ، وكأن كل ما يحدث في حياتنا قابل للتكرار ، فلا شيء في عمر الإنسان إلا ويراه مرة واحدة .. وجه أنثى لا يمكنك أن تراه إلا مرة واحدة ، وشكل سحابة عابرة أيضاً .. وصورة وجهك في المرآة لا يمكن أن تراها كما هي مرتين ، قانون الاختلاف المنبثق من الحركة يجعل كل شيء جديد ، ورغم كل شعرية الكسوف التي ذكرت ، فإن شفق الشروق سيظل أكثر المشاهد فتنة وإثارة ، وأحب أن تحسب حياتي بكم شروق لا أن تحسب بكم كسوف عشته .

الأربعاء، 15 أبريل 2009

عادات طائشة ..


سالم العوكلي

وكر الشمع قريب من ثقابي
وعينُ القلب ..
جافلة عن كل ظل
فأدخليني على مهلٍ .
طريحَ الوهمِ
ما عاد السؤال يسلبني انتباهي
أحط ..
حيثما نثرتِ قمحَكِ
شفيعاً لكل نهد متربْ
صفيري وراء ضفيرتيك
مكسورٌ على الحصى
والقرية التي ..
أودعتُها زهر قفطانك..
تراودني
تُغلغِلُ سروَها في أراجيل المقاهي ،
تسخر من ريبتي في آخر العمرِ
ومن أطفالي ..
اليخافون الليل والضفادع .
بُحتُ لك ما يكفي ..
لكي تمضي دون التفاتٍ
ونسيت أني ..
في يقطينكِ
تعلمتُ ارتشافَ رُبِّ الحلمات ،
وأعقاب السجائر.
شاق عليَّ ..
المرورُ من قَصْلِكِ
دون أن أُخدشْ
وشاق عليَّ اليومَ
استراق الحبرِ
إلى هسيس التبن تحت لحمكِ .
أدخليني كما أنا ..
أجادل فيكِ
كلَّ أحمر رجيمْ
كلَّ أخضر شفافٍ ..
قارٍّ في بئره
كلَّ زعتر لاذع
كلَّ عسلٍ ..
مورقٍ في عينيكِ
وطن بعيــد .. بعيد
وظُفره في لحمي ..
أمشيه واثقاً
من بَرَكَةِ الغيم على أصابعي ،
من ترابك الضارعِ ..
لكل برق طائشْ .
عاداتي
ما عادت
تُربِّيكِ في قفصي ،
وألوانكِ فرت من اللوحةِ
واجتاحتْ خريفَ المعادنْ
أزرقُ
في قدميكِ ..
منذورٌ لفجوة الإلهْ
فرَتِّبي على مهل خُصَّكِ
وانتظري جوادي الخشبيَّ
انتظري العتمةَ ..
لنأوي إلى عرسنا الصغيرِ
لنمزُجَ لُعابينا
ونحمدَ الله ..
على الزغب الواقف دون عكازْ
***
يونيو 2005

قيثارة الصوف ..



سالم العوكلي

المنحوتة للفنان محمد زعطوط

جسد الأم منتشر في المحيط ، مغرق في سخائه الذي لا يعرف الوهن ، كل شئ متشرب به ، ومؤنث عبره ، مختلط عبر كيميائه الخاصة مع مفردات المكان ، ومعزوف بإتقان إلهي وبعذوبة إيقاع لا يهدأ إلا في عزلته ، كل شئ أذكره في طفولتي كان يمر عبر جسد الأم ، الحليب ، الملابس ، المأوى ، والطعام الطازج الذي تقضي ليلها تناجي على حواشيه الرحى بأغانيها، ويدها التي تطلي أجسادنا بالماء المحمول على ظهرها الذي في أرجوحته الوارفة كم تسلقت معها السفوح بحثاً عن البابونج والزعتر ، تستلم الصوف ساخناً من على ظهور الضأن ، وتبدأ مرحلة التكوين والعزف المفرد على أوتاره ، يتلوى تحت عصاها مخلوطاً بكلس الجبل المُعقِم ، وتجري خيوطه النحيلة بين أصابع قدمها ويدها لتلتف على المغزل الخشبي الذي يدور كترس على ساقها ، تمتد الخيوط صوب الشفق البرتقالي وهي تحبو على ردفيها خلف قيثارة الصوف الذي سوف ينتصب بيتاً مزخرفاً من الداخل بألوان انتحلتها من بقايا ملابسنا ، كل رقعة فيه مشحونة بذاكرة وحكاية ، مربعات من الألوان المتزاحمة ، لا يربطها شئ سوى مزاج الأم ومجازها لحظة الرفو ، في إحدى الشتاءات القاسية ، التي يهطل فيها الجليد بغزارة ، كنا نربض في بيت ربيعي من الشعر في إحدى سفوح لالي التي تقع في أعلى الجبل الأخضر ، تكورنا ليلتها جميعاً في مساحة صغيرة بين عامودي البيت ، حيث هناك الفضاء الوحيد الذي لا ينقط فيه البيت الماء البارد على أجسادنا ، نمنا جميعاً لكن أمي لم تنم ، قضت ليلتها تجرف الجليد المتراكم فوق نسيج البيت حتى لا يسقط فوقنا ، كانت تدور طيلة الليل القارس كرحى أو كمغزل لا يهدأ ، وفي الصباح أيقظتنا رائحة الحليب الفائر على الجمر الطازج ، وكانت كل البيوت في سفوح الوادي قد تهاوت وانتقل قاطنوها إلى الكهوف في منتصف الليل عدا بيتنا الذي ظل منتصباً كفطر عملاق وسط الجليد بفضل تلك العجوز القصيرة والعنيدة ، التي ألقت بجسدها في قلب البرد والعتمة لتحمي أجسادنا ، جسد الأم بوح بيولوجي ، وانتهاك غريزي وحميم لكل الكائنات المتاخمة له ، ملهَم باللذة والألم عبر تصدير ممكناته للآخرين ، ومفعم بخليط من الروائح المعبرة التي لا يمكن نسيانها ، روائح القرنفل والعنبر والدخان ، يلبي بافتتان رغبات الجميع دون إحساس بالتعب ، ينشطر كرافدي نهر دافق بين الأمومة واللذة ، بين السماء والأرض ، بين العبادة وتوق العالقين بردائها ، وقتها المزدحم بالإيثار هو مأتى صلاتها العجلى ، ونومها المتاخم لليقظة محرر للجسد الأخاذ من النسيان ، قبل رحيلها بأيام سردت لي على غير عادتها كل تفاصيل حياتها الضاجة ، وكأنها تودِعني أمانة سرد التجربة الحافلة ، تجربة امرأة عزلاء سوى من الحب عاشت شظف الحياة في مكان وعر ، طلبتُ منها تلبية لرغبة صديقي أحمد يوسف عقيلة الذي يعد كتاباً عن غناوة العلم أن أسجل منها بعض غناوي الرحى ، فكانت دون وعي تدير يدها على رحى وهمية كي تعيد الزمن وتتلو ما تيسر منها ( زنين هالقلب يريد .. رموات قمح ما فيهن غثر ) كانت تؤديها جارتها الصغيرة والجميلة التي أرغمت على الزواج من رجل يكبرها سناً ويعاني من عاهة ، وعندما سمعها فهم الرسالة وتركها تمضي في حالها ، كانت تسقط مفردات الرحى على ذاتها فالقلب هو القضيب الأوسط التي تدور حوله الرحى ، كان يحدث أنيناً ، لأنه يريد قمحاً دون شوائب ، وهكذا كان حالها ، كنت أحاول دائماً أن استعيد أغاني أمي لأعرف ما كانت تبثه من شكوى عبر ليلنا الموحش.